الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
156
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
المحكم للأمور فكذلك . [ 2 ، 3 ] [ سورة الصف ( 61 ) : الآيات 2 إلى 3 ] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ ما لا تَفْعَلُونَ ( 2 ) كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا ما لا تَفْعَلُونَ ( 3 ) ناداهم بوصف الإيمان تعريضا بأن الإيمان من شأنه أن يزع المؤمن عن أن يخالف فعله قوله في الوعد بالخير . واللام لتعليل المستفهم عنه وهو الشيء المبهم الذي هو مدلول ما الاستفهامية لأنها تدل على أمر مبهم يطلب تعيينه . والتقدير : تقولون ما لا تفعلون لأي سبب أو لأية علّة . وتتعلق اللام بفعل تَقُولُونَ المجرور مع حرف الجر لصدارة الاستفهام . والاستفهام عن العلة مستعمل هنا في إنكار أن يكون سبب ذلك مرضيا للّه تعالى ، أي أن ما يدعوهم إلى ذلك هو أمر منكر وذلك كناية عن اللوم والتحذير من ذلك كما في قوله تعالى : قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِياءَ اللَّهِ مِنْ قَبْلُ في سورة البقرة [ 91 ] . فيجوز أن يكون القول الذي قالوه وعدا وعدوه ولم يفوا به . ويجوز أن يكون خبرا أخبروا به عن أنفسهم لم يطابق الواقع . وقد مضى استيفاء ذلك في الكلام على صدر السورة . وهذا كناية عن تحذيرهم من الوقوع في مثل ما فعلوه يوم أحد بطريق الرمز ، وكناية عن اللوم على ما فعلوه يوم أحد بطريق التلويح . وتعقيب الآية بقوله : إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا [ الصف : 4 ] إلخ . يؤذن بأن اللوم على وعد يتعلق بالجهاد في سبيل اللّه . وبذلك يلتئم معنى الآية مع حديث الترمذي في سبب النزول وتندحض روايات أخرى رويت في سبب نزولها ذكرها في « الكشاف » . وفيه تعريض بالمنافقين إذ يظهرون الإيمان بأقوالهم وهم لا يعملون أعمال أهل الإيمان بالقلب ولا بالجسد . قال ابن زيد : هو قول المنافقين للمؤمنين نحن منكم ومعكم ثم يظهر من أفعالهم خلاف ذلك . وجملة كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا ما لا تَفْعَلُونَ بيان لجملة لِمَ تَقُولُونَ ما لا تَفْعَلُونَ تصريحا بالمعنى المكنّى عنه بها .